إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
6
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
وَكَاشِفِ الغُمَّة ( 1 ) ، الَّذِي نَسَخَتْ شَرِيعَتُهُ كُلَّ شَرِيعَةٍ ، وَشَمَلَتْ دَعْوَتُهُ كُلَّ أُمَّةٍ ، فَلَمْ يبقَ لِأَحَدٍ حُجَّةٌ دُونَ حُجَّتِهِ ، وَلَا اسْتَقَامَ لِعَاقِلٍ طَرِيقٌ سِوَى لَاحِبِ ( 2 ) مَحَجَّته ( 3 ) ، وَجَمَعَتْ تَحْتَ حِكْمَتِهَا كُلَّ مَعْنًى مُؤْتَلِفٍ ، فَلَا يُسْمَعُ بَعْدَ وَضْعِهَا خِلَافُ مُخَالِفٍ ، وَلَا قَوْلُ مُخْتَلِفٍ ، فَالسَّالِكُ سَبِيلَهَا مَعْدُودٌ فِي الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ ، وَالنَّاكِبُ ( 4 ) عَنْهَا مَصْدُودٌ إِلَى الْفِرَقِ الْمُقَصِّرَةِ أَوِ الْفِرَقِ الْغَالِيَةِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ ( 5 ) الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِشَمْسِهِ الْمُنِيرَةِ ، وَاقْتَفَوْا آثَارَهُ اللَّائِحَةَ ، وَأَنْوَارَهُ الْوَاضِحَةَ وُضُوحَ الظَّهِيرَةِ ، وَفَرَّقُوا بِصَوَارِمِ أَيْدِيهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ بَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ فَاجِرَةٍ وَمَبْرُورَةٍ ، وَبَيْنَ كُلِّ حُجَّةٍ بَالِغَةٍ وَحُجَّةٍ مُبِيرَةٍ ( 6 ) ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ السبيل ، وسائر الْمُنْتَمِينَ إِلَى ذَلِكَ الْقَبِيلِ ( 7 ) ، ( وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا ) ( 8 ) . أما بعد فإني أذاكرك ( 9 ) أَيُّهَا الصَّدِيقُ الْأَوْفَى ، وَالْخَالِصَةُ الْأَصْفَى ، فِي مُقَدِّمَةٍ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ ، وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَدَأَ ( 10 ) الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بدأ فطوبى ( 11 )
--> ( 1 ) الغُمَّة : الكربة ، ويقال : أمر غمّه أي مبهم ملتبس . الصحاح ( 5 / 1998 ) ، والمراد : غمّة الجاهلية وظلامها . ( 2 ) في ( ط ) : " لأحب " بالهمزة ، وفي ( غ ) و ( ر ) : " لاجب " وهو خطأ ، واللاحب الطريق الواضح ، والتحب فلان محجة الطريق إذا ركبها . لسان العرب لابن منظور ( 1 / 737 ) . ( 3 ) المحجة بفتحتين : جادة الطريق . الصحاح ( 1 / 228 ) . ( 4 ) نكب عن الطريق : عدل . ويقال : نكب عنه تنكيباً وتنكب عنه تنكباً ، أي مال وعدل . الصحاح للجوهري ( 1 / 228 ) . ( 5 ) ساقطة من ( ت ) . ( 6 ) مبيرة أي فاسدة هالكة . انظر لسان العرب ( 4 / 86 ) . ( 7 ) القبيل : الجماعة تكون من الثلاثة فصاعداً من قوم شتّى . الصحاح ( 5 / 1797 ) . ( 8 ) ما بين المعكوفين ساقطة من ( ت ) . ( 9 ) في ( ط ) : " أذكرك " . ( 10 ) في ( ط ) : " بدئ " ، وضبطت الكلمة ( في خ وط بضم الباء وكسر الدال ) قال الإمام النووي : " بدأ الإسلام " كذا ضبطناه بدأ بالهمز من الابتداء " . انظر صحيح مسلم بشرح النووي ( 2 / 176 ) . ( 11 ) قال الإمام النووي : " وطوبى فعلى من الطيب قاله الفراء ، قال : وإنما جاءت الواو لضمة الطاء ، قال : وفيها لغتان ، تقول العرب : طوباك وطوبى لك ، وأما معنى طوبى =